لطالما ركز الحديث عن الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية على التدخين وارتفاع ضغط الدم والنظام الغذائي غير الصحي وقلة النشاط البدني. لكن ثمة قضية تستحق حضوراً أوضح في هذا النقاش: السمنة، بوصفها مرضاً مزمناً وأحد العوامل المرتبطة بمخاطر صحة القلب.
لا تزال أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة عالمياً. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تسببت في وفاة نحو 19.8 مليون شخص خلال عام 2022، بما يعادل 32% تقريباً من إجمالي الوفيات، وكانت النوبات القلبية والسكتات الدماغية وراء 85% من تلك الوفيات.
وفي العام نفسه، كان شخص واحد من كل ثمانية أشخاص حول العالم يتعايش مع السمنة. كما بلغ عدد البالغين الذين يعانون من زيادة الوزن 2.5 مليار شخص، من بينهم أكثر من 890 مليوناً يتعايشون مع السمنة. وتصنف منظمة الصحة العالمية السمنة مرضاً مزمناً قابلاً للانتكاس، ينشأ عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيولوجية والسلوكية والبيئية.
وفي يوم القلب العالمي، تدعونا هذه الأرقام إلى توسيع منظور الوقاية. فالعناية بصحة القلب تقتضي التعامل مع السمنة بجدية، وفهمها ضمن الصورة الصحية الكاملة للفرد.
صلة تتجاوز الوزن
تشير ورقة موقف مشتركة صادرة عن الاتحاد العالمي للقلب والاتحاد العالمي للسمنة إلى أن زيادة الدهون في الجسم، ولا سيما الدهون الحشوية في منطقة البطن، ترتبط بارتفاع مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية عبر آليات بيولوجية مباشرة وغير مباشرة.
ويُظهر تقرير الاتحاد العالمي للقلب لعام 2025 حجم هذا الارتباط. فوفقاً للبيانات التي يستند إليها التقرير، ارتبط ارتفاع مؤشر كتلة الجسم بنحو 3.7 مليون وفاة من مختلف الأسباب في عام 2021، منها نحو 1.9 مليون وفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية، أي ما يقارب حالة واحدة من كل عشر وفيات ناجمة عن هذه الأمراض عالمياً.
وتؤكد هذه النتائج أن اختزال السمنة في الخيارات الفردية أو قوة الإرادة لا يعكس طبيعة المرض. فالعوامل البيولوجية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية تؤدي جميعها دوراً في نشأته واستمراره، ما يستدعي نهجاً أشمل للوقاية والرعاية.4
وفي هذا السياق، قال الدكتور حسين حشمت، استشاري أمراض القلب التداخلية في مستشفى التداوي التخصصي، دولة الإمارات العربية المتحدة: “عندما نناقش سبل الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، علينا النظر إلى المريض بصورة شاملة ومراعاة العوامل التي تؤثر في صحته على المدى الطويل. ويجب أن تكون السمنة جزءاً من هذا النقاش؛ فالاعتراف بها مرضاً مزمناً يساعد على تجاوز لغة اللوم، والتركيز على التقييم المبكر والدعم المناسب والرعاية القائمة على الأدلة العلمية”.
وأضاف الدكتور حشمت: “من أهم رسائل يوم القلب العالمي أننا لسنا بحاجة إلى انتظار تطور أمراض القلب والأوعية الدموية حتى نأخذ المخاطر على محمل الجد. يمكن مناقشة ضغط الدم وسكر الدم والكوليسترول والوزن ونمط الحياة في مرحلة مبكرة. وكلما فهمنا مستوى الخطر الإجمالي لدى الفرد، زادت فرصتنا في التدخل قبل ظهور المضاعفات.”
فهم السمنة ورعايتها في تطور
تغيير مسار الحوار
يمكن ليوم القلب العالمي أن يفتح نقاشاً أوسع حول الوقاية، يتجاوز التوعية بأمراض القلب إلى فهم العوامل التي ترفع مخاطر الإصابة بها.
السمنة ليست عامل الخطر الوحيد، والتعايش معها لا يعني حتمية الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. غير أن قوة الارتباط بينهما تستدعي حضور السمنة بوضوح أكبر في تقييم المخاطر وخطط الوقاية.
المصدر: جريدة الوطن

