الحوسبة المدارية:لماذا تتجه شركات التكنولوجيا إلى بناء مراكز بيانات في الفضاء؟
شهدت الأشهر الأخيرة تسارعاً لافتاً في الإعلانات الصادرة عن كبرى شركات التكنولوجيا والفضاء بشأن نقل جزء من البنية التحتية الحوسبية للذكاء الاصطناعي إلى المدار الأرضي؛ إذ أعلن إيلون ماسك، في فبراير 2026؛ عن اندماج شركتَيه “سبيس إكس” و”إكس إيه آي” في صفقة بلغت قيمتها 1.25 تريليون دولار، بوصفها خطوة تأسيسية نحو ما وصفه بـ”مراكز بيانات مدارية” تضم ما يصل إلى مليون قمر اصطناعي. وفي الاتجاه ذاته، أطلقت “جوجل” قمراً اصطناعياً تجريبياً ضمن “مشروع صائد الشمس” (Project Suncatcher) في أكتوبر 2026، في حين تتوسع شركة “ستاركلاود” المدعومة من “إنفيديا” في اختبار معالجات الرسوميات داخل المدار، إلى جانب تحركات مماثلة من “بلو أوريجين” المملوكة لـجيف بيزوس، وبرنامج صيني موازٍ يحمل اسم “كوكبة الحوسبة ثلاثية الأبعاد”. وفي ضوء هذا الزخم المتصاعد، تُطرح تساؤلات جوهرية حول الدوافع الكامنة وراء هذا التوجه، والفاعلين الرئيسيين فيه، والعقبات التقنية والتنظيمية التي قد تحول دون تحوله من مختبر تجريبي إلى واقع تجاري قائم.
مسارات متباينة للحوسبة المدارية:
لا تعكس هذه التحركات توجهاً موحداً نحو بناء مراكز بيانات مدارية بالمعنى التقليدي، بل تشمل أنماطاً ومستويات مختلفة من الحوسبة في الفضاء.
يتمثل النمط الأول في الحوسبة الطرفية المدارية، التي تتيح معالجة البيانات التي تجمعها الأقمار الاصطناعية قبل إرسالها إلى الأرض.
أما الثاني، فيتمثل في اختبار تقنيات الحوسبة والذكاء الاصطناعي في البيئة الفضائية، كما في مشروع “صائد الشمس” التابع لجوجل، الذي يستكشف أيضاً إمكان تطوير بنية حاسوبية مدارية قابلة للتوسع.
في حين يتمثل الثالث في التوجه نحو إنشاء مراكز حوسبة مدارية واسعة النطاق، قادرة على تشغيل أعباء عمل الذكاء الاصطناعي وتدريب نماذجه.
وتكتسب هذه التفرقة أهميتها من اختلاف المتطلبات التقنية والاقتصادية لكل نمط؛ إذ لا يعني نجاح معالجة البيانات أو تشغيل نماذج محدودة في المدار بالضرورة أن إنشاء مراكز حوسبة واسعة النطاق أصبح مجدياً تجارياً. وفي هذا السياق، يخلص تحليل لمجموعة بوسطن الاستشارية إلى أن مراكز البيانات المدارية قد تصبح قابلة للتوسع التقني خلال خمس إلى عشر سنوات؛ لكن تكلفتها الإجمالية قد تظل أعلى من نظيرتها الأرضية بنحو مرة ونصف المرة حتى في ظل مسارات التحسن الواقعية؛ وبناءً على ذلك، يرجح التقرير أن تكمل البنية الحاسوبية المدارية نظيرتها الأرضية، مع توجيه التطبيقات إلى البيئة الأنسب لها، بدلاً من أن تحل محلها بالكامل.
دوافع مُتصاعدة:
يمكن القول إن ثمّة دوافع عديدة تقف وراء اندفاع شركات التكنولوجيا نحو بناء مراكز بيانات في الفضاء، نوضحها فيما يلي:
1- استنزاف موارد الطاقة والمياه الأرضية: يفرض التوسع المتسارع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ضغطاً متصاعداً على شبكات الكهرباء والموارد المائية؛ حيث قفز استهلاك هذه المراكز للكهرباء بنسبة 50% خلال عام 2025 وفق وكالة الطاقة الدولية، مقابل معارضة مجتمعية متزايدة؛ إذ يرفض نحو 70% من الأمريكيين إقامة مراكز بيانات جديدة في محيط سكنهم. وفي المقابل، يوفر المدار طاقة شمسية شبه دائمة لا تتأثر بالغيوم أو ساعات الليل في بعض المدارات، بما يبدو حلاً جذرياً لمعضلة الطاقة الأرضية.
2- تراجع تكاليف الإطلاق الفضائي: دفع التطور في تقنيات الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام تكلفة إطلاق الكيلوغرام الواحد إلى المدار من نحو 54 ألف دولار في حقبة مكوك الفضاء إلى ما يقارب 3 آلاف دولار حالياً عبر صاروخ “فالكون 9″، مع طموح “سبيس إكس” لخفضها إلى نحو 100 إلى 200 دولار عبر منظومة “ستارشيب”؛ وهو الانخفاض الذي يُعد شرطاً اقتصادياً أساسياً لجعل فكرة الحوسبة المدارية قابلة للمنافسة التجارية مع مراكز البيانات الأرضية.
3- الهروب من القيود التنظيمية والبيئية الأرضية: توفر البيئة المدارية إفلاتاً نسبياً من معارك التراخيص البيئية المطولة، ونزاعات استخدام الأراضي، وضوابط استهلاك المياه، وتسعير الكهرباء المحلي التي تعوق المشروعات الأرضية لسنوات طويلة. ففي ظل غياب جهة تنظيمية بيئية أو مجتمعية محلية في الفضاء، تتراجع العوائق الإجرائية التقليدية بشكل ملحوظ. غير أن هذا الإفلات ليس مطلقاً؛ إذ بدأت تظهر تحديات تنظيمية فضائية جديدة تتعلق بتراخيص الطيف والحطام المداري والتأثيرات البيئية للإطلاق وإعادة الدخول، إلا أنها تظل أقل تعقيداً من القيود الأرضية المتراكمة.
4- التنافس الجيوسياسي على ريادة الحوسبة الفضائية: تتقاطع مساعي الشركات الأمريكية مع سباق استراتيجي أوسع بين واشنطن وبكين للسيطرة على البنية التحتية الحاسوبية للمستقبل؛ حيث يرى عدد من صناع القرار أن التفوق في الحوسبة المدارية قد يشكل، على غرار التفوق في الرقائق والمعادن الحرجة، أحد محاور التنافس التكنولوجي بين القوتين؛ وهو ما يفسر تزامن الإعلانات الأمريكية مع تقدم الصين في اختبار كوكبتها الحاسوبية الخاصة.
5- تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول الفضائية القائمة وتوسيع مصادر الإيرادات: تمتلك شركة “سبيس إكس” أفضلية تشغيلية تتمثل في شبكة “ستارلينك” القائمة، وما راكمته من خبرات في إنتاج الأقمار الاصطناعية وإطلاقها وإدارتها، إضافة إلى إمكان الاستفادة من بعض تقنياتها في تطوير مراكز الحوسبة المدارية. في المقابل، أعلنت شركة “بلو أوريجين” عن مشروع “تيراويف”؛ وهي شبكة اتصالات فضائية مخطط أن يبدأ نشر أقمارها في الربع الأخير من عام 2027، وتستهدف المؤسسات ومراكز البيانات والجهات الحكومية. وقد تتيح هذه المشروعات للشركتين توسيع الاستفادة الاقتصادية من البنية التحتية الفضائية، وإن بدرجات متفاوتة من الجاهزية. وفي حالة “سبيس إكس”، تمثل هذه الإمكانات أحد العوامل التي قد تفسر جاذبية استراتيجية دمج البنية التحتية الفضائية مع أنشطة الذكاء الاصطناعي، في سياق الاندماج مع “إكس إيه آي” الذي قُدّرت بموجبه قيمة الشركة الموحّدة بنحو 1.25 تريليون دولار.
خريطة الفاعلين:
تتعدد الشركات المنخرطة في سباق مراكز البيانات المدارية، وتتباين مقارباتها ومراحل تقدمها، وذلك على النحو الآتي:
1- الشركات الأمريكية: تتصدر “سبيس إكس” و”ستاركلاود” و”بلو أوريجين” المشهد الأمريكي، لكن لكل منها مقاربة مختلفة. فإلى جانب طموحات “سبيس إكس” في توسيع قدرتها الحاسوبية المدارية، تسعى “ستاركلاود” إلى بناء نشاط متخصص في تشغيل معالجات الذكاء الاصطناعي في الفضاء، مع تطوير أقمار أكبر قدرة على استيعاب الحوسبة. وقد أعلنت الشركة في أغسطس 2026 جمع تمويل إضافي بقيمة 250 مليون دولار؛ رفع إجمالي التمويل المعلن ضمن جولة التمويل إلى 420 مليون دولار، مع تقييم للشركة بلغ 2.3 مليار دولار. وتخطط لاستخدام صاروخ “ستارشيب” لإطلاق مركبتها “ستاركلاود-3″، فيما تعمل على تطوير معالجات مخصصة للبيئة الفضائية بالتعاون مع “إنفيديا”.
أما “بلو أوريجين”، فتجمع بين تطوير مركبات الإطلاق والبنية الفضائية، وقد كشفت عن مشروع “شروق الشمس” (Project Sunrise)، الذي يستهدف إنشاء كوكبة كبيرة مخصصة للحوسبة المدارية. وينبغي التمييز هنا بين هذا المشروع ومبادرة “تيراويف”، التي تركز على الاتصالات الفضائية للمؤسسات ومراكز البيانات، ولا تمثل في حد ذاتها شبكة مراكز حوسبة مدارية.
وتبرز “جوجل” بوصفها فاعلاً تقنياً يسعى إلى تطوير منظومة حوسبة تعتمد على معالجاتها الخاصة، بالتعاون مع شركة “بلانيت” (Planet) المتخصصة في تصوير الأرض بالأقمار الاصطناعية. ويمنح هذا التعاون المشروع خبرات في تصميم الأقمار وتشغيلها، إلى جانب تطوير تقنيات المعالجة؛ لكنه لا يعني أن الشركتين دخلتا بالفعل مرحلة تقديم خدمات حوسبة مدارية تجارية واسعة النطاق.
كما تمثل الشراكة بين “أكسيوم سبيس” (Axiom Space) و”كيپلر كوميونيكيشنز الكندية” (Kepler Communications) مساراً مختلفاً يركز على إنشاء بنية موزعة للحوسبة والاتصال في المدار. فقد أعلنت “أكسيوم” في أكتوبر 2026 أن وحدتيها للحوسبة المدارية تعملان في الفضاء، وأنهما تمكنتا من الاتصال ببعضهما بعضاً وبالأرض، ضمن شبكة كيپلر للاتصالات البصرية. وتستهدف هذه البنية إتاحة معالجة البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي مباشرة للأقمار الاصطناعية والجهات الحكومية والتجارية، مع التركيز على أمن البيانات واستمرارية العمليات.
وتكتسب هذه المبادرة أهميتها من أنها تقدم نموذجاً لتوزيع قدرات الحوسبة على وحدات مدارية مترابطة، بدلاً من الاعتماد حصرياً على قمر ضخم أو كوكبة مخصصة لتشغيل مراكز بيانات واسعة النطاق؛ ومع ذلك، فإن الوحدات الحالية تمثل مرحلة مبكرة من البنية المستهدفة، ولا تزال زيادة القدرة الحاسوبية إلى مستويات كبيرة هدفاً مستقبلياً.
2- الصين: تختلف المقاربة الصينية عن المشروعات التي تقودها شركة واحدة؛ إذ تتشكل من شبكة من الشركات الناشئة ومؤسسات البحث والتطوير والجهات الحكومية. ويبرز في هذا السياق مشروع كوكبة الحوسبة ثلاثية الأجسام (Three-Body Computing Constellation)، الذي تطوره شركة “إيه دي إيه سبيس” (ADA Space) بالتعاون مع مختبر تشجيانغ، ضمن منظومة تشمل شركاء في الاتصالات الليزرية والخدمات الفضائية. وقد أُطلقت الدفعة الأولى، المكونة من 12 قمراً في مايو 2025، وجرى اختبار تطبيقات لمعالجة البيانات والتحكم في روبوتات على الأرض باستخدام قدرات الحوسبة المدارية.
وتعمل شركة “نايوتا سبيس” (Nayuta Space) على مسار آخر من خلال مشروع “ألايا” (ALAYA)، الذي يستهدف تطوير كوكبة تضم 12500 قمر للحوسبة المدارية. ويظل هذا الرقم هدفاً معلناً للتوسع، وليس وصفاً لحجم شبكة عاملة بالفعل. كما أعلنت شركة “بكين أوربيتال توايلايت تكنولوجي” (Beijing Orbital Twilight Technology) عن خططها الخاصة لتطوير بنية حوسبية فضائية. ويشير تعدد هذه المبادرات إلى أن المنافسة الصينية لا تقتصر على نشر الأقمار، بل تشمل كذلك تطوير نماذج مختلفة للتصنيع والتشغيل وربط قدرات الحوسبة الفضائية.
3- الهند: تبرز شركة “تيك مي تو سبيس” (TakeMe2Space) بوصفها أحد الفاعلين الهنود في هذا المجال، من خلال مشروع MOI الذي يستهدف تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على متن الأقمار الاصطناعية، وبخاصة لتحليل بيانات رصد الأرض. وأفادت رويترز، في 28 سبتمبر 2026؛ بأن الشركة كانت تستعد لإطلاق القمر MOI-1A في أكتوبر الجاري، مزوداً بمعالجات “إنفيديا أورين إن إكس” (NVIDIA Orin NX)، بعد اختبار تقني سابق تحقق في عام 2024. كما أعلنت الشركة امتلاكها 23 عميلاً للمهمة، من قطاعات تشمل الزراعة، والتعدين، وسلاسل الإمداد، والتأمين.
وتكشف هذه التجربة عن مسار تجاري يركز على تقديم خدمات تحليل البيانات الفضائية للعملاء، بدلاً من البدء ببناء مراكز بيانات ضخمة تنافس البنية الأرضية مباشرة؛ لكنها تظل محدودة من حيث القدرة الحاسوبية مقارنة بالمشروعات التي تستهدف استخدام معالجات مخصصة لمراكز البيانات.
تحديات قائمة:
تواجه مراكز البيانات الفضائية عقبات قد تؤخر تحوّلها إلى واقع تجاري، تتمثل أبرزها فيما يلي:
1- إدارة الحرارة في بيئة الفضاء: على خلاف مراكز البيانات الأرضية التي تستطيع التخلص من الحرارة باستخدام الهواء أو المياه وأنظمة التبريد المختلفة، لا يوفر الفراغ الفضائي وسطاً يمكن نقل الحرارة إليه بالحمل الحراري؛ ولذلك يجب نقل الحرارة الناتجة عن المعالجات إلى مشعات حرارية خارجية، ثم التخلص منها في الفضاء عن طريق الإشعاع الحراري. ويجعل ذلك حجم المشعات وكتلتها أحد أبرز القيود الهندسية أمام مراكز البيانات الفضائية. ووفق تحليل لمجموعة بوسطن الاستشارية BCG، قد يحتاج نظام حوسبة فضائي بقدرة تقارب 100 كيلوواط إلى مشعات تبلغ مساحتها نحو 400 متر مربع وفق الافتراضات التصميمية التي استخدمها التحليل؛ وهي مساحة أكبر بكثير من المشعات المستخدمة في معظم الأقمار الاصطناعية التجارية حالياً؛ ومن ثم لا تقتصر المشكلة على توليد الطاقة اللازمة لتشغيل المعالجات، بل تشمل أيضاً نقل الحرارة الناتجة عنها والتخلص منها بصورة مستمرة دون التأثير في أداء المعدات أو عمرها التشغيلي.
2- التعرض للإشعاع وصعوبة الصيانة: تتعرض المكونات الإلكترونية في المدار للإشعاع الكوني والجسيمات عالية الطاقة، بما قد يتسبب في أخطاء حسابية أو أعطال تقلل موثوقية المعالجات. ويستلزم الحد من هذه المخاطر تطوير رقائق أكثر تحملاً للإشعاع أو توفير حماية إضافية؛ وهو ما قد يزيد الوزن والتكلفة. وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب صعوبة إصلاح المعدات أو استبدالها بعد إطلاقها. ففي حين يمكن لمراكز البيانات الأرضية تغيير المعالجات والأجهزة المتعطلة نسبياً بسهولة؛ قد يفرض تعطل قمر حاسوبي في المدار إخراجه من الخدمة وإطلاق بديل عنه. وتشير مجموعة بوسطن الاستشارية إلى أن صيانة الأنظمة في المدار لا تزال من أبطأ المجالات تطوراً، وأن تحسينها قد يستغرق أكثر من عشر سنوات للوصول إلى الجاهزية التشغيلية الكاملة وفق تقديراتها.
3- ارتفاع التكلفة الإجمالية وعدم اليقين التجاري: حتى مع تراجع أسعار الإطلاق، تظل إقامة بنية حاسوبية في المدار مرتبطة بتكاليف تصنيع الأقمار وتجهيزها بالطاقة والتبريد والاتصالات، إضافة إلى إطلاقها واستبدالها عند انتهاء عمرها التشغيلي. وتقدّر مجموعة بوسطن الاستشارية أن التكلفة الإجمالية لمراكز البيانات المدارية قد تزيد حالياً بنحو مرتين ونصف المرة إلى ثلاث مرات على نظيرتها الأرضية، وأن الفارق قد يتراجع إلى نحو مرة ونصف المرة خلال العقد المقبل في ظل مسارات التحسن الواقعية التي وضعها التقرير. وهذه تقديرات مبنية على سيناريوهات وليست ضماناً لانخفاض التكلفة فعلياً؛ لذلك، قد لا تكون الحوسبة المدارية مناسبة لتدريب النماذج الضخمة أو تشغيل الخدمات التي تتطلب قدرة حاسوبية كثيفة بأقل تكلفة، في حين يمكن أن تصبح أكثر جدوى في تطبيقات محددة يبرر مزاياها السعر الإضافي، مثل معالجة بيانات الأقمار الاصطناعية في المدار أو بعض البيانات الحساسة.
5- الحطام الفضائي والتحديات التنظيمية والبيئية: من شأن نشر آلاف الأقمار أو مئات الآلاف منها أن يزيد الضغط على المدارات الأرضية، ويرفع الحاجة إلى تنسيق حركة الأقمار وتجنب التصادمات والتأكد من إخراج الأجهزة المتقادمة من المدار بأمان. وحذّر تقرير وكالة الفضاء الأوروبية لعام 2026 من تزايد مخاطر التصادم والحطام؛ مشيراً إلى أن التعامل مع هذه المشكلة يتطلب تحسين مراقبة الأجسام الفضائية وتنسيق حركة الأقمار وتعزيز إجراءات التخلص منها عند انتهاء عمرها التشغيلي. وإلى جانب ذلك، لا تختفي القيود التنظيمية بمجرد نقل البنية التحتية إلى الفضاء؛ إذ تظل الشركات مطالبة بالتعامل مع تراخيص الإطلاق والتشغيل، وتخصيصات الطيف والتداخلات المحتملة، والمسؤولية عن الأضرار والبيانات. كما أن زيادة وتيرة الإطلاق وإعادة دخول الأقمار إلى الغلاف الجوي تثير تساؤلات بيئية حول الانبعاثات وتأثيرات الاحتراق وإعادة الدخول؛ وبذلك، قد تتحول بعض التحديات التي تبدو أقل حضوراً في البيئة المدارية إلى أعباء جديدة مع اتساع نطاق التشغيل.
في المحصلة، لا يتوقف مستقبل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء على القدرة على إطلاق الأقمار وتشغيل المعالجات، بل على إثبات جدواها الاقتصادية والتقنية في مواجهة البدائل الأرضية. وفي حين تبدو معالجة البيانات مباشرة في المدار أقرب إلى التطبيق التجاري، لا تزال المراكز الحاسوبية واسعة النطاق تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة والتبريد والصيانة والاستدامة البيئية؛ لذلك، يُرجح أن تتطور الحوسبة المدارية بوصفها امتداداً للبنية التحتية الرقمية الأرضية لا بديلاً عنها، وأن يتحدد موقعها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي بمدى قدرتها على تحويل مزاياها الفضائية إلى قيمة عملية قابلة للاستمرار.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
المصدر: جريدة الوطن

