دبي في 30 أكتوبر/ وام/ يشكل الاستثمار في القدرات الإنسانية واكتشاف المواهب أحد المرتكزات الأساسية لتطوير بيئات العمل المستقبلية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل العالمي، وتزايد الاهتمام بمهارات التواصل والخيال والذكاء العاطفي والتكيف، بوصفها عوامل رئيسية تسهم في تعزيز الابتكار وتطوير التجارب والخدمات.
وفي هذا الإطار، يقدم متحف المستقبل في دبي نموذجاً مبتكراً لاستقطاب الكفاءات من خلال حملة “المستقبليون”، التي أطلقها في 21 أكتوبر الجاري، بهدف اختيار أشخاص يتولون تقديم تجربة زواره الجديدة المقرر إطلاقها عام 2027، عبر آليات توظيف تركز على القدرات الإنسانية والمهارات العملية، بدلاً من الاعتماد حصرياً على المؤهلات الأكاديمية والخبرات المهنية التقليدية.
وشهدت الحملة إقبالاً واسعاً منذ انطلاقها، إذ تلقى المتحف 20 ألف طلب توظيف مكتمل خلال أول 48 ساعة، فيما سجل الموقع الإلكتروني المخصص للحملة 42 ألف زيارة خلال الفترة ذاتها، ما يعكس الاهتمام المتزايد بفرص العمل التي تتيح للأفراد إبراز مواهبهم وقدراتهم بأساليب غير تقليدية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه الدعوات العالمية لإعادة النظر في آليات تقييم الكفاءات، إذ أشار تقرير أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في يونيو 2026 بعنوان “سوق عمل يضع المهارات أولاً”، إلى أن المؤهلات التعليمية والخبرات المهنية لا تعكس بالضرورة جميع القدرات التي يمتلكها الأفراد، مؤكداً أهمية تطوير أساليب توظيف تتيح التقييم المباشر للمهارات.
كما كشفت دراسة مشتركة أجرتها كلية هارفارد للأعمال ومعهد “بيرنينغ غلاس” عام 2024 عن وجود فجوة بين توجه المؤسسات المعلن نحو التوظيف القائم على المهارات والتطبيق الفعلي لهذا التوجه في قرارات الاستقطاب، ما يبرز أهمية الانتقال من المعايير النظرية إلى الممارسات العملية لاكتشاف المواهب.
وتكتسب تجربة متحف المستقبل أهمية خاصة في ضوء استقباله أكثر من خمسة ملايين زائر ينتمون إلى ما يزيد على 180 جنسية منذ افتتاحه عام 2022، الأمر الذي يتطلب كوادر قادرة على التفاعل مع خلفيات ثقافية متنوعة، وتبسيط المفاهيم العلمية والمستقبلية، وتحويل المعرفة إلى تجارب تفاعلية ملهمة.
وانطلاقاً من ذلك، أتاح المتحف التقديم أمام أصحاب الخلفيات المهنية المختلفة دون اشتراط خبرة سابقة في المتاحف أو خدمة المتعاملين، مع التركيز على القدرة على التواصل والإصغاء وسرد القصص وحل المشكلات والتعامل الإيجابي مع المواقف المختلفة.
وتعتمد آلية الاختيار على مراحل تبدأ بتجربة أداء مصورة ضمن طلب التقديم الإلكتروني، دون الحاجة إلى تحضير مسبق، بما يتيح للمتقدمين إظهار شخصياتهم وخيالهم وأساليب تفكيرهم، تليها تقييمات حضورية للمرشحين المختارين تتضمن مواقف مستوحاة من طبيعة التفاعل مع الزوار، وصولاً إلى تجارب أداء نهائية أمام لجنة من الخبراء والمتخصصين.
وامتدت الحملة إلى الجمهور من خلال منصات تفاعلية لتجارب الأداء في “فيرجن ميغاستور” و”روكسي سينما” و”أسبوع دبي للتصميم”، بهدف إتاحة الفرصة أمام المشاركين لاكتشاف جوانب من قدراتهم الشخصية في بيئة تفاعلية تختلف عن المقابلات الوظيفية المعتادة.
وأكدت عزة عبدالعزيز النعيمي، الرئيس التنفيذي للعمليات في متحف المستقبل، أن تطوير تجربة الزوار يتطلب النظر إلى ما يتجاوز المؤهلات الأكاديمية والخبرات السابقة، والتركيز على قدرة الأفراد على التواصل مع الآخرين وفهم اختلافاتهم وتحويل الأفكار إلى تجارب تترك أثراً إيجابياً لديهم.
وقالت إن المتحف لم يكتف بتحديد المهارات المطلوبة لتقديم تجربته الجديدة، بل أعاد التفكير في الطرق التي يمكن من خلالها اكتشاف هذه المهارات وتقييمها، بما يتيح للمرشحين إظهار إمكاناتهم الحقيقية.
وأضافت أن حملة “المستقبليون” تنسجم مع نهج الإمارات ودبي في الاستثمار في الإنسان والمعرفة والابتكار، مشيرة إلى أن تطوير التجارب لا يعتمد على التكنولوجيا والمحتوى وحدهما، وإنما يرتكز أيضاً على كفاءة الأشخاص الذين يقدمونها وقدرتهم على تحويل المعرفة إلى تواصل إنساني مؤثر.
ويجمع الدور الوظيفي الجديد لـ”المستقبليون” بين الإرشاد وسرد القصص والحوار والإصغاء وحل المشكلات، لمساعدة الزوار على استكشاف أفكار المستقبل وربطها باهتماماتهم وحياتهم اليومية.
ومن المقرر أن ينضم المرشحون الذين يجتازون مراحل الاختيار إلى فريق تجربة الزوار في وظائف بدوام كامل، مع إخضاعهم لبرامج تدريب متخصصة استعداداً لتقديم التجربة الجديدة عام 2027.
وتعكس المبادرة توجهاً نحو توسيع مفهوم الابتكار المؤسسي ليشمل آليات استقطاب الموارد البشرية وتنمية قدراتها، بما يعزز فرص اكتشاف الكفاءات التي قد لا تظهر إمكاناتها عبر أدوات التقييم التقليدية، ويدعم بناء فرق عمل أكثر تنوعاً وقدرة على الاستجابة لمتطلبات المستقبل.
وتقدم تجربة “المستقبليون” نموذجاً لكيفية تحويل عملية التوظيف إلى مساحة لاكتشاف الإمكانات الإنسانية، بما يؤكد أن الابتكار لا يقتصر على تطوير التقنيات والخدمات، بل يمتد إلى اختيار الأشخاص القادرين على توظيفها لإيجاد تجارب ذات قيمة وتأثير مستدام.
ويواصل متحف المستقبل استقبال طلبات الانضمام إلى فريق “المستقبليون” حتى 8 نوفمبر 2026 عبر الموقع الإلكتروني Futureperfects.ae.
المصدر: وكالة أنباء الإمارات

